مقام سيدي نائل وضريحه بوادي اللحم(200كلم على محور الجلفة-بوسعادة-عين الحجل-بوطي السايح)


زيارتي هذه روحية في المقام الاول،وهي زيارة احمل فيها  الكثير من الهواجس والمساءلات العلمية وفقا للملاحظات التالية:1/منهجيا وفكريا اتذرع بمقاربتين ارشاديتين(هيغل وبول ريكور)ضمن حزمة من الاشكالات المفاهيمية المطروحة والمفتوحة للتحري مفاصيلها هي:التاريخ/الذاكرة/الزمن/السرد. لاشك ان عملية الاستحضار شائكة ملتبسة والتمييز الفارق فيها معقد بالنظر الى كم الروايات الشفوية المتعددة والمتضاربة في غياب التدوين التاريخي الكتابي والموثوق. 

   2/ شخصية سيدي نائل(محمد بن عبد الله الخرشفي) الذي عاش بين نهاية القرن 15م والنصف الاول من القرن16م (بدايات التواجد العثماني ببلادنا)  وهي مرحلة  اتسمت بالتقهقر التاريخي-الحضاري للعالم الاسلامي،   ويمكننا توصيفها على الصعيد الثقافي -الروحي  بغلبة الحاجة إلى البطل المنقذ وسادها مناخ ذو طابع صوفي-شعبي يتوق لتحقيق نموذج الانسان الكامل اخلاقيا ودينيا واجتماعيا وسياسيا.  

           3/يمكن مقاربة شخصية سيدي نائل وفقا للاسنادات التالية: بوصفهاشخصية تتمتع باضفاءات ومزايا وسجايا تؤهلها لتحقيق نموذج الانسان الارقى او الكامل (المرجع والقدوة و المؤسس لنسق قرابي وقبيلي سوسيو-ثقافي لايزال يتمتع بحيويته،وكتجسيد  للمفهوم النيتشوي عن الانسان المتفوق )  وطبقا  لمعادلات النسب  الروحي النقي ( القائم على فكرة  الشرف  والانتساب  المرجعي "الادارسة" ) وعلى المنحنى  الشخصي للحياة   الروحية المميزة(الارتباط بشخصية احمد بن يوسف الملياني واختبار"المذابيح") علاوة على السلوك الاخلاقي الخاص (الصفاء،المحبة التسامح،قوة الشخصية)  وبالنظر للحاجة  الى قائد ملهم للقبيلة والجماعة 

  4/ثمة تضارب  بين كثير من الروايات  المتداولة  و التي تتوسل الذاكرة الشفوية الشعبية حول سيرة وحياة سيدي نائل وتحركاته و هناك العديد من المرويات التي  تطرح علينا مساءلات تاريخية حائرة ومفتوحة في مواجهة الحقيقة التاريخية وفي كيفية استحضار "التاريخي"  وآليات تشغيل النازع الاسطوري  واسقاطاته ضمن فضاء جغرافي واسع ممتد (المغرب،الساقية الحمراء ،فڨيڨ،منداس،مليانة، عين الريش،جنوب تونس،وادي اللحم).

5/ثمة اهتمام فائق بشجرة النسب والجذور وهاجس تدقيق وضبط النسق القرابي القائم على مرجعية الدم ( العشماوي،رواية المترجم ارنو،القاضي حشلاف، الديسي، الشيخ مسعودي عطية)  على  حساب الاهتمام بالابعاد الثقافية الروحية لارث الشخص والقبيلة.                

 6/ تواجهنا قبيلة اولاد نائل بظاهرة مميزة من منظور الحراك الديمغرافي وهي تمتاز  ب"الحيوية والخصوبة" فعلى مدى قرابة 5قرون تجاوز تعداد أفراد القبيلة عدة ملايين،وهو امر يسترعي النظر ويلفتنا نحو مساءلات عديدة تخص  نقاوة الدم  واختلاطه  ومدى الانفتاح على المكونات  البشرية الوطنية الاخرى(من خلال المصاهرات واشكال الاختلاط والتفاعل الاجتماعي).

  7/يمكننا مقاربة سمات الشخصية النائلية من المنظور السوسيو-ثقافي والفكري  من خلال المقولات الافتراضية التفسيرية التاليةأ/ مبدأ روحي-فكري قائم على مفهوم"الضيافة" ويتفرع بدوره الى مشتقاته : المحبة،التسامح التواضع،الكرم ،الوفاء،النجدة...وتتجه جميعها لارساء نوع من النزوع"الانساني-الاخلاقي".  ب/ مبدأ"الارض" وهو يحيل  الى الروابط المادية للشخصية الثقافية النائلية. لاشك ان جوهر هذه الثقافة بدوي وهو مرتبط  بثنائية الحركة  و السكون  (  mouvance et pause)كما اوضحه الباحث وديع بوزار فالارض هي عبارة عن فضاء لامتناهي  والقانون هو الترحال والاستقرار نسبي ومن هنا فان مفهوم المدينة غائب في التصور النائلي الجذري ومن المفارقة ان اولاد نائل الذين ينتسبون للادارسة لم يستثمروا الارث المديني للادارسة.  ترتبط الارض بالمعاش وبالاقتصاد"الحيواني".       

 ملاحظات استطرادية: اتاحت لي هذه الزيارة والمعاينة ابداء ملاحظتين:

1)هناك اهمال فظيع للمقام والضريح والمقبرة   من الواجب ان نتساءل كيف لقبيلة ذات جاه ومال وقوة ومكانة ان تتجاهل جدها المؤسس-الرمز؟! فالطريق الى ضريحه وعرة المسالك وغير مهيأة للسير(9كلم) والمقام والضريح والمقبرة في حالة من الاهمال والتردي وقد اسند الاشراف عليها لأغراب همهم"البزنس والاستثمار"!! وكيف لابناء نائل ان يتجاهلوا جدهم ولا ينظمون زيارات دورية  من اجل توقير الذاكرة والانتعاش الروحي الاجتماعي؟!

 2)جرى إستعمال اسم القبيلة  في المتاجرة  السياسية الرخيصة وفي محاولة اذكاء الفتنة  بين ابناء الوطن الواحد  ومن المهم التذكير ان سيدي نائل  هو بالاساس انسان أخلاقي  تزخر شخصيته بقيم المحبة والتسامح والتآخي بدلا من الشقاق والنعرات

عبد الباقي هزرشي

التسميات:

إرسال تعليق

[blogger]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.