العنف الشرعيّ.. قوة أمنٍ، لا أداة قمعٍ


 المقصود بالعنف الشّرعي هو استعمال الدولة للقوّة المادية،من أجل صيانة مصالح الجماعة، عن طريق حماية القانون الذي يعبّر عن الإرادة العامة. والبداية كانت في الماضي حينما اتفق الناس على التنازل عن جزء من حريتهم لصالح الدولة قصد رعاية مصالحهم العامة، في حدود ما يتّفقون عليه من قواعد قانونية لتنظيم الحياة في المجتمع، وفي إطار هذا العقد السياسيّ المتّفق عليه صار من واجب الدولة ردع بالقوة كلّ من تسوّل له نفسه الاعتداء على المجتمع وخرق قواعده القانونية. هذا هو المقصد الجوهري الذي من أجله أنشئ  العنف الشرعي، وأسند أمر احتكاره إلى الدولة فقط، وهذا من باب تكريس الانضباط واستتباب الأمن والسكينة والاستقرار في المجتمع. 

 لكن عندما تضعف الدولة لسبب أو لآخر، وتتخلى السلطة عن مهامها المتمثلة في خدمة المجتمع (ترقية الحياة وتوفير الرفاهية للمواطنين ولجم التنازع الطبيعي في حياة البشر)، عند ذلك ينحرف "العنف الشرعي" عن مهامه الأساسية(حماية الوطن والمواطن) فيصبح أداةً لقمع المواطنين عندما يمارسون حقهم في رقابة السلطة أو يطالبون باحترام سيادة الشعب في تسيير شؤون الدولة. وفي هذه الحالة تكون السلطة قد تخلت عن علة وجودها، ومن ثمّ تفقد شرعية وجودها، وقد صارت مجرد وسيلة لنهب ثروات الوطن، فينفلت العنف الشرعي الذي يتحوّل على يد سلطة متغوّلة إلى آلة  للقمع ولتعطيل مصالح المواطنين،علما أن العنف الشرعيّ إذا أفلت أتلف. والغريب أن هذا الانفلات يتم تحت مبرّر حماية الدولة، في الوقت الذي تخرق فيه هذه السلطة الدستور ليل نهار! ألم يضمن الدستور للمواطنين حق حرية التعبير وحرية التنقل وحرية التظاهر وتنظيم مسيرات سلمية؟

 من الأمثلة الصادمة التي تبرز انفلات العنف الشرعي، الاعتداءات المتكرّرة على المواطنين أثناء مشاركتهم في مسيرات سلمية يفترض أنها محمية بقوّة الدستور. وقد بلغ الاستخفاف بقوانين الجمهورية إلى حدّ الاعتداء الجنسي على بعض الناشطين الحراكيين، وتعذيب البعض الأخر منهم نفسيا وجسديا. والحاصل أن بعض عناصر الأمن الوطنيّ قد تجاوزوا المدى في سوء استعمال العنف الشرعي وفي خدش شرف هيئة الأمن، حين راح البعض منهم يعنّفون النساء في عيدهنّ الوطني، ولا ذنب لهنّ إلاّ لكونهنّ مارسن حق النقد على السلطة المتغولة. لا شك أن هذا الانحراف في توظيف العنف الشرعي ناجم عن ذهنية الاستبداد، التي تجعل الحاكم يستبدل الشرعية الشعبية، بشرعنة منطق"الحاكم المتغلب" يجعله ينظر إلى كلّ معارضة له بعين السخط، معتبرا إيّاها أنها عنف يهدد للدولة !؟. وإذا كان منطق "التغلب" مُبرّرًا نسبيا غداة الاستقلال بحجّة الحفاظ على استقرار الوطن الجريح، فإن الاستمرار في تجديده (منطق التغلب) بعد مرور ستة عقود على استرجاع السيادة الوطنية، يشكل خطرا داهما على مستقبل الجزائر المخدوعة.

 هذا ولعل الكثير منكم قد سمع بأخبار غلق منافذ العاصمة الشرقية الأسبوع الماضي، فعَلِقَ الألوف من الجزائريين في الطرقات، منهم النساء الحوامل والأطفال والشيوخ والرضع والمرضى وأصحاب الحاجات المستعجلة والعمال. والجدير بالذكر أنه لا شيء يبرّر مثل هذه التصرفات الخرقاء التي تشكّل كابوسا ينغّص حياة الناس، فمهمة قوات الأمن في العالم تتمثل في تيسير حركة المرور، وفي تمكين المواطنين من ممارسة حقوقهم في رقابة السلطة والضغط عليها بالأساليب السلمية المضمونة بقوة الدستور. لكن الضحالة السياسية عندنا جعلت الأمر ينقلب رأسا على عقب، فغابت الحكامة وسادت الرداءة السياسية المنجبة للوضع السياسي الحالي المتأزّم. 

 فأي مصداقية يتحدث عنها أكابر القوم في إطار دولةٍ يعذّب فيها المواطن بالقرارات السياسية الارتجالية المزعجة؟ وأيّ مستقبل لبلاد تقمع فيها الحريات  بسبب انفلات العنف الشرعيّ؟ وتشنق فيها السلطة المضادة من رجليها ؟ وأيّ أمل يرتجى من كبرائنا وقد جعلوا النقد السياسي البناء الضروري لتوازن الدولة، جريمة كالأفيون يطاله القانون؟ أليس الحل في إحداث القطيعة مع هذا النظام الذي لا يختلف اثنان عاقلان في مسألة ترهّله وفساده ؟ أمَا آن الأوان للشروع في مرافقة شباب الحراك نحو بناء منظومة سياسية جديدة ديمقراطية- قبل التفكير في الانتخابات- تمكّنهم من تفجير طاقاتهم الخلاقة في المشاركة في تسيير الشؤون العامة وفق إرادة الشعب؟ إن ما يجعلنا نتفاءل في المستقبل، هو نجاح المواطنين في استرجاع حقهم الدستوري في تنظيم مسيرات سلمية ضاغطة على السلطة، ستؤتي أكلها إن عاجلا أو آجلا، وما ذلك على الله بعزيز.

محمدأرزقي فراد 

التسميات:

إرسال تعليق

[blogger]

Author Name

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.